محمد أحمد خلف الله
89
الفن القصصي في القرآن الكريم
أنفسهم بأمثال هذه المسائل . جاء في الرازي ما يلي : يروى أن السبب في ذلك أن الجن كانت تتسمّع لخبر السماء فلما بعث محمد صلّى اللّه عليه وسلّم حرست السماء ورصدت الشياطين فمن جاء منهم مسترقا السمع رمي بشهاب فأحرقه لئلا ينزل به إلى الأرض فيلقيه إلى الناس فيخلط على النبي أمره ويرتاب الناس بخبره . فهذا هو السبب في انقضاض الشهب وهو المراد من قوله وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ « 1 » ومن الناس من طعن في هذا من وجوه : أحدها : أن انقضاض الكواكب مذكور في كتب قدماء الفلاسفة قالوا إن الأرض إذا سخنت بالشمس ارتفع منها بخار يابس وإذا أبلغ النار التي دون الفلك احترق بها فتلك الشعلة هي الشهاب . وثانيها : أن هؤلاء الجن كيف يجوز أن يشاهدوا واحدا وألفا من جنسهم يسترقون السمع فيحترقون ثم إنهم مع ذلك يعودون لمثل صنيعهم فإن العاقل إذا رأى الهلاك في شيء مرة ومرارا وألفا امتنع أن يعود إليه من غير فائدة . وثالثها : أنه يقال في ثخن السماء أنه مسيرة خمسمائة عام فهؤلاء الجن إن نفذوا في جرم السماء وخرقوا اتصاله فهذا باطل لأنه تعالى نفى أن يكون فيها فطور على ما قال فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ « 2 » . وإن كانوا لا ينفذون في جرم السماء فكيف يمكنهم أن يسمعوا أسرار الملائكة من ذلك البعد العظيم ؟ ثم إن جاز أن يسمعوا كلامهم من ذلك البعد العظيم فلم لا يسمعون كلام الملائكة حال كونهم في الأرض ؟ ورابعها : أن الملائكة إنما اطّلعوا على الأحوال المستقبلة إما لأنهم طالعوها في اللوح المحفوظ أو لأنهم تلقّفوها من وحي اللّه تعالى إليهم وعلى التقديرين فلم لم يسكتوا عن ذكرها حتى لا يتمكن الجن من الوقوف عليها ؟ وخامسها : أن الشياطين مخلوقون من النار والنار لا تحرق النار بل تقوّيها فكيف يعقل أن يقال إن الشياطين زجروا عن استراق السمع بهذه الشهب .
--> ( 1 ) سورة الملك ، الآية 5 . ( 2 ) نفس السورة ، الآية 3 .